أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
186
شرح مقامات الحريري
أخبّر أخبار القرون الّتي مضت * أنوء كأنّي كلّما قمت راكع فلما بلغ ثلاثين ومائة حضرته الوفاة ، فقال : [ الطويل ] تمنّى ابنتاي أن يعيش أبوهما * وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر « 1 » فقوما فقولا بالّذي أنا أهله * ولا تخمشا خدّا ولا تحلقا شعرا وقولا هو المرء الّذي لا صديقة * أضاع ولا خان الخليل ولا غدر إلى الحول ثم اسم السّلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر قال الشعبيّ : فلقد رأيت السرور في وجه عبد الملك طمعا أن يعيشها . وقال الحريري في الدّرّة : حدثني أحد شيوخي أن ليلى الأخيليّة كانت تتكلم بلغة بهراء ، فتكسر حرف المضارعة ، فتقول : « أنت تعلم » فاستأذنت يوما على عبد الملك بن مروان وبحضرته الشعبيّ ، فقال : أتأذن لي يا أمير المؤمنين في الغضّ منها ؟ فقال : افعل ، فلما استقرّ بها المجلس قال لها الشعبيّ : يا ليلى ، ما بال قومك لا يكتنون ! فقالت : ويحك أما نكتني - بكسر النون - فقال : لا واللّه ولو فعلت لاغتسلت ، فخجلت عند ذلك ، واستغرق عبد الملك في الضحك . الأصمعي : وجّه عبد الملك الشعبيّ إلى ملك الروم في بعض الأمور ، فاستكبر الشعبيّ ، فقال له : من أهل بيت الملك أنت ؟ قال : لا فلما أراد الرجوع إلى عبد الملك حمّله رقعة لطيفة ، وقال له : إذا بلّغت صاحبك جميع ما يحتاج إلى معرفته من ناحيتنا فادفع إليه هذه الرقعة ، فلمّا رجع إلى عبد الملك ذكر له ما احتاج إلى ذكره ، ونهض . فلما خرج ذكر الرقعة ، فرجع فقال : يا أمير المؤمنين إنّه حمّلني إليك رقعة أنسيتها ، فدفعها إليه ونهض فقرأها عبد الملك ، وأمر بردّه فقال : أعلمت ما في الرقعة ؟ قال : لا ، قال : فيها عجبت من العرب كيف ملّكت غير هذا ! أفتدري لم كتب إليّ بهذا ؟ قال : لا ، قال : حسدني عليك ، فأراد أن يغريني بقتلك ، فقال الشّعبيّ : لو رآك يا أمير المؤمنين ما استكبرني . فبلغ ذلك ملك الروم ، فذكر عبد الملك وقال : للّه أبوه ! واللّه ما أردت إلا ذلك . وكان الشعبيّ خرج مع عبد الرحمن بن الأشعث على الحجّاج ، فلما هزم عبد الرحمن أتي به موثقا مع الأسرى ، وكان حكم الحجاج فيهم : من أقرّ أنه كافر أبقاه ، ومن أقرّ أنه مسلم قتله . قال : فلما جئت باب القصر لقيني يزيد بن مسلم كاتبه ، فقال : إنا للّه
--> ( 1 ) الأبيات في ديوان لبيد ص 213 ، والبيت الأول في الأغاني 15 / 305 ، وأمالي المرتضى 1 / 171 ، 2 / 55 ، والبيتان الثاني والثالث في لسان العرب ( عذر ) ، وتهذيب اللغة 2 / 306 ، وتاج العروس ( عذر ) ، والبيت الرابع في الأشباه والنظائر 7 / 96 ، والأغاني 13 / 40 ، والخصائص 3 / 29 ، والعقد الفريد 2 / 78 .